الأربعاء، 23 سبتمبر 2009

أوباما يقول: هيك مزبطة بدها هيك ختم

د.يوسف عبدالحق



أتاح انتخاب أوباما رئيسا للولايات المتحدة فرصة للجانب الفلسطيني العربي لأول مرة في تاريخ الدور الأمريكي في الصراع الفلسطيني العربي الصهيوني لإحداث تغيير مهم في الموقف الأمريكي الداعم بشكل مطلق للعدوان الإسرائيلي على فلسطين والعرب، ذلك أنه بالرغم من بعض المواقف الأمريكية السابقة التي ظهرت هنا وهناك في بعض التصريحات الأمريكية ( كارتر والرئيس بوش الأب، كلينتون) والتي كانت آثارها لا تتعدى نسمات الهواء المنطلقة من نطقها حيث لم تجد ترجمة فعلية لها على ارض الواقع بتاتا، فقد عكست تصريحات أوباما منذ البداية فهما أفضل من كل من سبقه من الرؤساء الأمريكيين للمصالح الأمريكية في الوطن العربي بحكم اطلاعه العميق على أبعاد الصراع الفلسطيني العربي ليس فقط من حيث عدالة القضية الفلسطينية العربية وإنما وهو الأهم، من حيث الآثار السلبية العميقة والبعيدة المدى للدعم الأمريكي المطلق للعدوان الإسرائيلي المستمر في الوطن العربي طيلة قرن ونيف، على المصالح الأمريكية.

لاحت مؤشرات موقف أوباما بداية في محاولته الفاشلة في تعيين السفير السابق تشاس فريمان رئيسا لمجلس المخابرات القومي حيث قام الأخير بسحب ترشيحه تحت تأثير ضغوطات اللوبي الصهيوني بسبب مواقفه المنتقدة علنا للسياسة الإسرائيلية القمعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما ظهر موقفه مرة أخرى في خطابه في القاهرة 5/6 /2009 حيث أكد على استمرار الدعم الأمريكي الاسترتيجي لإسرائيل ولكن ليس بشكل مطلق وإنما طالبها بوقف الاستيطان حين قال " لقد آن الأوان لكي تتوقف هذه المستوطنات" . وكان قد سبق ذلك تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في 27/5/2009 التي قالت فيها إن الرئيس باراك أوباما أوضح لإسرائيل أنه يرغب في تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية بدون استثناءات ولو حتى بسبب ما تصفه إسرائيل بـ "النمو الطبيعي" وهو أقوى تصريح أمريكي على الإطلاق صدر بهذا الخصوص.

لا احد يدعي أن هذا الموقف لأوباما يلبي الحد الأدنى للحقوق الفلسطينية العربية المشروعة ومع ذلك لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذا الموقف يشكل بصيص نور في ظلام السياسة الأمريكية طيلة نصف قرن ونيف كان من الواجب الفلسطيني العربي أن يستنفر لالتقاط الفرصة وتفعيلها وتطويرها، كان يجب وفقا للتفكير العلمي الملتزم وطنيا وقوميا أن تتجاوز قيادتي فتح وحماس خلافاتهما السلطوية ويعملان بفعالية عالية لعقد اجتماعات متتالية لجميع المؤسسات الفلسطينية بدءا من القيادة الفلسطينية العليا بهدف إعادة بناء م.ت.ف وفق المنهج الديمقراطي والتمثيل النسبي على قاعدة برنامج وطني موحد بجميع مكوناته في العمل المقاوم ، والسياسي، والاجتماعي من أجل خلق رافعة فعالة تعزز إيجابيات موقف أوباما المعلن من الاستيطان لتجسيده فعلا في الميدان وكذلك في تطوير موقفه وموقف الدول الكبرى بخصوص الحصار الإسرائيلي على غزة والخنق الاقتصادي للضفة . وكان على اليسار الفلسطيني أيضا أن يشدد من مواقفه في اتجاه الضغط على الطرفين لتحقيق الوحدة الوطنية لا أن يتشتت كما يلاحظ على أرض الواقع بحثا عن كسب هامشي وزاري أو سلطوي هنا وهناك بشكل يضعف قدرته على التأثير الجماهيري باتجاه هدف الوحدة الوطنية. كان على فتح باعتبارها تمسك بقيادة م.ت.ف أن تشد مفاصل حركة فتح سياسيا لتجعلها أقدر على التاثير الفاعل في المواجهة السياسية الجارية الآن بدلا من تخفيض فاعلية قدرتها السياسية كما حدث في مؤتمر بيت لحم، كان على قيادة حماس أن تعيد ترتيب أولوياتها باتجاه توحيد الجهد الإسلامي على المستوى العربي والدولي ليشكل قوة موحدة فاعلة مع الموقف الفلسطيني في مواجهة الاستيطان وحصار غزة وخنق الضفة، ولكن بحرقة قلب دامية يجيب الواقع العنيد أن لا شيء من كل ذلك قد حصل.

وفقا لنفس المنهج في التفكير العلمي كان المطلوب عربيا أن تبادر كل من مصر وسوريا والسعودية لدعوة القمة العربية في اجتماع طارئ ولكن استراتيجي للإجابة على سؤال واحد مفاده ما المطلوب منا فعله كحكم عربي لتعزيز الموقف الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر في مجال الاستيطان والحصار على غزة والخنق للضفة؟؟؟؟ وذلك بدلا من استمرار حرب داحس والغبراء بين العرب وبدلا من الملهاة الاستعمارية التي غسلت عقول الحكم العرب بما يسمى الخطر الإيراني، أليست هذه بديهيات يدركها الكبير والصغير والمقمط في السرير؟؟؟؟؟

إن الذي يحز في النفس بلوعة حارقة هو أن تتسابق القيادتين الفلسطينيتين في الضفة وغزة علنا وسرا لإقناع الجانب الأمريكي بان كل منهما هي الأقدر وهي الأكثر شرعية على التحكم بالشعب الفلسطيني وحقوقه في حين يلهون الشعب الفلسطيني بحصا قدرة بن الخطاب في غزة وجمهورية أفلاطون الفياضية في الضفة, وتتعاظم المأساة حين يرى المرء وزير الاقتصاد في الضفة يجتمع مع نظيره الإسرائيلي ومعركة وقف الاستيطان التي فجرها أوباما لا زالت في أوجها، وتصبح المأساة طامة كبرى حين نرى نتنياهو يتبختر في القاهرة في لقائه مع مبارك تاركا ميتشل لوزرائه وكأنه يقول له ما لك ومال الاستيطان يا عم سام !!! هذه غيمة صيف بيننا وبين أولاد العم الفلسطينيين العرب عما قريب تنقشع، نحن أقدر على حلها شرط ابتعادك عنها. وتأتي ثالثة الأثافي حين نسمع أن ابو مازن قرر تلبية دعوة أوباما لحضور الاجتماع الثلاثي، أوباما، نتنياهو أبو مازن يوم الثلاثاء القادم في واشنطون وذلك في ظل استمرار الاستيطان.

من الطبيعي في ضوء كل ذلك أن نسمع تلميحات أمريكية هنا وهناك تفيد بتغير الموقف الأمريكي اتجاه الاستيطان حيث تردد بعض الأخبار والتحليلات أن الموقف الأمريكي بات متساوقا مع الموقف الإسرائيلي من حيث استثناء القدس من وقف الاستيطان واستثناء الوحدات السكنية المعتمدة من الحكومة الإسرائيلية والبالغة 3 آلاف وحدة سكنية بل وحتى اقتصار فترة التجميد المهزلة لستة أو تسعة أشهر بحيث يتم خلال هذه الفترة التطبيع العربي الإسرائيلي.

فد يكون أبا مازن غارقا في الأوهام الآن وهو في طريقه إلى واشنطون ، ولست أدري سيقرأ هذه السطور من فلسطيني بسيط كل ما لديه أن ذاكرته حادة بخصوص الفهلوة الإسرائيلية في التعامل مع الحكم الفلسطيني العربي المتشح بالبداوة البسيطة و/ أو المتدثر بأبهة الكرسي، أقول لك يا أبا مازن لا تدخل هذا الاجتماع المصيدة فالنتيجة باتت معروفة، أوباما أدرك المثل الشعبي العربي الذي يقول "هيك مزبطه بدها هيك ختم"، فهو قد فرأ تجربة الحكم الفلسطيني العربي في سياسته ضد الاستيطان وتوصل إلى قناعة واضحة أن الجانب الفلسطيني العربي سيقبل بالفتات مع وعود بالجنة، وعليه سيطرحون عليك اليوم ننقذ شبرا وغدا أو بعد غد نكمل المشوار وأوبوما معك في المسيرة، فقط ثق في ذلك وأترك لأوباما الوقت الكافي للحل، هم في الحقيقة لن ينقذوا لا شبرا ولا فترا طالما أن الاحتلال الإسرائيلي مستمر، هم فقط يقسطون وجبات الاستيطان حتى يكونوا أقدر على الابتلاع والهضم، قدمت في أوسلو اعتراف بالكيان الصهيوني، سلمت لهم بفلسطين48 وبفلسطين67 وهم أعطوك قصيدة مدح باعترافهم ب م.ت.ف ممثلا للشعب الفلسطيني بعد ان افرغوها من مضمونها ولم يوقفوا الاستيطان بل زاد بحواي 150% منذ أوسلو حتى الآن، أنت اليوم ليس لديك شيء تعطيه لهم وبالتالي فالأرجح أن لا يعطيك حتى شعرا جميلا، أما الحكم العرب سيعطيهم التطبيع مقابل التجميد المهزلة هروبا من تحمل المسؤولية، ذلك أنه حتى في التجارة تجد المسألة" قبيض بقبيض" كما يقول المثل الشامي، إن كنت على الباب ولم تدخل المصيدة تهالك على الأرض بحجة جلطة وهمية وأنج بنفسك على قاعدة " أنج سعد فقد هلك سعيد".

نابلس 21/9/2009

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

هلا اتعظنا

د.يوسف عبدالحق

رمضان للعرب بالخيرات والنعمات آت
كل عام والعقل فينا
صح من عمق السبات
هل نعيد اليوم
ما اعتدناه في زمن الفوات
نستمر الصوم
عن كل شراب وطعام وفتات

ونزيد عبادة الله
شكلا في صلاة وقيام
وينادي الفرد فينا
رغم ذلك كل شر للأنام

لا لشيء
غير عشق القوم أطراف الدولار
يطعن الواحد منا
ابنه أو عمه أو أي جار
تارة باسم الخليفة
ضد أهل الانتظار
وثانية باسم الفقيه
ضد الجماعة في كل دار
وثالثة باسم الرحيم
نقول أن رشد العقل في صقر ونار

ورابعة يدوي صوتنا
بالغفل أن المرأة قاصر
لا تستطيع لوحدها البت
حتى في المرور على المقابر
نزرع الفتنة والحقد بين الأهل
باسم الله نعلنهم كوافر
والكل منا ينطق الحكم
بأن الغير كافر

حتى صباح الصوم صار بغفلنا
خلفا على كل صعيد
هذا يحدده الأحد
والبعض في الاثنين أو يوم جديد
هلا اتعظنا يا صديقي
والتزمنا منطق العقل الرشيد
حتى نداوي جرحنا
قبل أن نغدو ثريدا في ثريد!!!

11/9/2009

السبت، 5 سبتمبر 2009

بيت لحم بين مؤتمر التثمير ومنتجع التطبيع

د.يوسف عبدالحق




بداية لا احد يظن أن هناك عاقل في هذا الوطن لا بل حتى مجنون لا يرغب بقوة متناهية في حشد الاستثمار الفلسطيني والعربي والدولي الصديق لتطوير الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال، المشكل الحقيقي لا يكمن في حشد الاستثمارت وإنما يكمن في السؤال التالي " أي استثمار نريد؟؟؟ "
وفي هذا الخصوص اتجهت سياسة الاستثمار الفلسطيني منذ اليوم الأول للسلطة الفلسطينية نحو اقتصاد الرفاهية حيث وبدون الدخول في التفاصيل اعتمدت هذه السياسة منذ البداية الاقتصاد الرأسمالي القائم على تعظيم الربح منهجا للنشاط الاقتصادية الفلسطيني وبالتالي تم تسليم الاقتصاد الفلسطيني لهوامير المال الفلسطينية الذين تعاونوا بشكل أو بآخر مع رأسمال الاسرائيلي والعالمي بل وشكلوا أحيانا جسرا للربط بين رأس المال الصهيوني وبين رأسمال الدولي والعربي، ولعل أبرز مثال على ذلك المشاريع التي تبناها مركز بيرس للسلام.

و بفعل التحفيزات الضريبة التي وردت في قانون تشجيع الاستثمار الذي ركز على المشاريع الكبيرة اتجهت معظم الاستثمارات الجديدة نحو المشاريع الخدمية الكبيرة كمشاريع الفندقة والسياحة مع استنثناءات قليلة في الصناعة، وأكبر مثال على ذلك المشاريع السياحية الكبيرة التي تمت إقامتها في مشروع بيت لخم 2000.

كانت نتيجة هذا النهج أنه تم تهميش القطاع الزراعي بحيث لم تتجاوز مساهمته في الناتج القومي الاجمالي قبيل الانتفاضة الحالية حوالي 10% فقط في حين كان يساهم في ظل الاحتلال الاسرائيلي قبل وجود السلطة في المتوسط بحوالي 30% . كذلك تراجعت بشكل كبير الصناعات المنوسطة والصغيرة والحرفية بفعل سياسة السوق المفتوحة باتجاه واحد التي فرضتها اتفاقيات أوسلو واتفاق باريس الاقتصادي وأوضح مثال على ذلك صناعة الأحذية والجلود.

جاء الاجتياح الاسرائيلي الذي بدأ مع اقتحام شارون للمسجد الأقصى في نهاية عام 2000 ليعلن اقتصاديا أن الاقتصاد الفلسطيني لا يمكنه تحقيق الصمود الاقتصادي بالمنهج الاقتصادي الرأسمالي وعلى أساس المشاريع الكبيرة القائمة على التنافس مع الصناعات الاسرائيلية والعالمية المتفوقة عليها تقنيا وماليا واستفرارا سياسيا واجتماعيا. ففي غياب الاستقرار السياسي تم خلال الاجتياحات الاسرائيلية المتوحشة والمنكررة تدمير البنية التحتية وكذلك تدمير المشاريع الكبيرة إما ماديا أو من خلال تعطيل حركة عمالها وكذلك حركة المخلات والمخرجات فيها بحيث تدنت ساعات عمل هذه المشاريع في المتوسط إلى ما لا يزيد عن 40% من طاقاتها، وبالتالي بات المطلوب الابتعاد عن المشريع الكبيرة باعتبار أنه كلما كبر حجم المشروع كلما زاد تأثره بالسياسة الاسرئيلية والعكس صحيح بمعنى أنه كلما صغر حجم المشروع قل تأثره بالسياسة الاسرائيلية، وقد أكد ذلك د. فضل النقيب في دراسنه عن الاقتصاد الفلسطيني عام 2004 حين قال أن المطلوب لصمود الاقتصاد الفلسطيني ليس فقط المشاريع الصغيرة بل المشاريع الصغيرة جدا(mini-microeconomic projects) أي بلغة شعبية " المشاريع الزغنونة" .


وبالرغم من هذا الحسم الاقتصادي الواقعي والنظري لصالح منهج اقتصاد الصمود وضد منهج الاقتصاد الرأسمالي للمشاريع الكبيرة، نجد أنفسنا أمام ما سمي
" مؤتمر بيت لحم الاستثماري" الذي تجاهل بفجاجة منقطعة النظير كل الدروس السابقة ، فهو أولا جاء بناء على تنسيق قديم جديد مسبق مع القطاع الخاص الاسرائيلي، فالبداية كانت في اجتماع مشترك بين القطاعين الخاصين الاسرائيلي والفلسطيني حضره وزير الاقتصاد الفلسطيني الأسبق ومدير عام وزارة التجارة الاسرائيلية على هامش مؤتمر لندن لدعم السلطة الفلسطينية في بداية 2005 والذي نتج عنه بيان مشترك دعى إلى تشجيع المشاريع المشتركة بين القطاعين الخاصين الفلسطيني والاسرائيلي وأيد فكرة عقد مؤتم استثماري في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، أي أن التطبيع كان معدا له مسبقا، وبالفعل حضر المؤتمر28 رجل أعمال اسرائيلي من بينهم افرايم سنيه الذي حكم الضفة الغربية مياشرة خلال ثمانينات الفرن الماضي قبل قدوم السلطة الفلسطينية.

قد يقول البعض أن 28 اسرائيلي من حوالي 1400 مستثمر فلسطيني وعربي ودولي هو عدد هامشي لا وزن له كما ادعى ببراءة غير بريئة بعض المحاضرين الذين شاركتهم في الندوة التي عقدها مركز حواء في نابلس بتاريخ 9/6/2008، أظن أن الجميع بات يدرك اليوم الحقيقة التاريخية في السياسة الامبريالية الاسرائيلية والعالمية أن الفعل لم يعد بالعدد بقدر ما يكون بالقدرة الكامنة في هذا العدد ، وعليه فإنه إذا اخذنا في الاعتبار أن حوالي 5 مليون صهيوني في الاقتصاد الاسرائيلي يهيمنون اليوم على أكثر من 320 مليون عربي بل وأكثر من مليار ونصف مسلم لأدركنا أن الوزن النسبي للفرد الاسرائيلي في المتوسط يعادل حوالي 60 عربي وحوالي 300مسلم، وهذا يعتي أن السياسة الاسرائيلية كانت حاضرة بقوة تصل حوالي 60% على الأقل من فوة المؤتمر بأكمله.

اعتمد المؤتمر منذ اللحظة الأولى للتحضير له على الاستثمار في المشاريع الكبيرة وكان نصيب الزراعة من المشاريع التي قدمتها اللجنة التحضيرية للمؤتمر هي حوالي 33مليون دولار أي أقل من 1.7% فقط من إجمالي حجم الاستثمار المقدم من هذه اللجنة للمؤتمر والبالغ 2 مليار دولار، وهي نسبة أقل حتى مما خصصه برنامج التطوير والاصلاح للسلطة الفلسطينية للفترة 2008- 2010 والبالغة 3% فقط من إجمالي حجم الاستثمار في البرنامج والبالغ 1.6مليار دولار. هل يعقل أن تمثل هذه الأرقام سياسة استثمارية رشيدة لاقتصاد الصمود الفلسطيني الذي يشكل سكان الريف أكثر من نصف عدد سكانه؟؟؟؟ بل هل يصدق سكان المريخ وهم يقرأون هذه الأرقام أن جوهر الصراع الفلسطيني الصهيوني هو الأرض ؟؟؟

ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، إذ أن مشروع الاسثمارات الزراعية المقدمة موزعة على 8 مشاريع فقط بواقع 4 مليون دولار للمشروع ، إن هذا يعني أن هذه الاستثمارات الزراعية سيستحوذ عليها ما لا يزيد عن 40 شخص فقط من أصل على الأقل 120 ألف مشتغل في الزراعة ما بين مالك وعامل، وبمعنى آخر فإن هذا النمط من الاستثمار إذا ما طبق سيؤدي إلى تعظيم ثراء الثري وفقر الفقير وهو بالطبع ما هو مطلوب للصمود الاقتصادي.
والأدهى من كل ذلك أن اللجنة التحضيرية للمؤتمر قدرت تكلفة فرصة العمل الاستثمارية في مشاريع المؤتمربمبلغ 40 الف دولار ، يبدو أن من قرر ذلك لا علاقة له البتة ليس فقط بمحنة الفقر التي يعيشها حوالي 75% من شعبنا ولا أيضا بالمناطق المنكوبة من البلاد وهي تشمل معظم الأراضي الفلسطينية التي لو توفر لأي أسرة فيها مكونة من 6 مبلغ 10 آلاف دولار لتمكنت قطعا من إنشاء مشروعها الخاص الذي يدر لها دخلا معقول يوفر لها معيسة كريمة.

بعض من شاركته في الندوة المذكورة أعلاه تحدث ببراءة غير بريئة أيضا حين قال لا باس نحن نقوم بالاستثمارات الكبيرة وليقم الآخرين بالمشاريع الصغيرة، حقا إنها قسمة ضيزى، الفقراء المنكوبين الذين بعرقهم وجهدهم بل ودمائهم وفروا لنا جميعا يعض الحياة وبعض فرص الاستثمار المتاحة ليبحثوا عمن يوفر لهم المشاريع الكبيرة ، أما نحن جلساء نجوم الرفاهية فدعونا ننكب على المشاريع الكبيرة بالتعاون مع كل من هب ودب نحصد الأرباح حصدا، هل يمكن أن يعقل ذلك؟؟؟ ثم أليس من بديهيات الاقتصاد الرأسمالي أن المشاريع الكبيرة تأكل المشاريع الصغيرةن بل وهل بلغت وفرة الاستثمارات المتاحة حدا يسمح لنا بهذا التبديد للتمويل الاستثماري هذا إن وجد؟؟؟؟؟

كل تقارير البتك الدولي الأخيرة تشير يشكل قاطع أن الاقتصاد الفلسطيني لا يمكن له أن يتقدم قي أنملة إلا إذا تم حل المشاكل السياسية مع الاحتلال، ومع ذلك نصر على تبديد المال والجهد على مثل هذا المؤتمر الذي في النهاية أقل ما يقال عنه أن عملية ما يسمى بالسلام هي حية وجارية وهي في الحقيقة لا تتجاوز أن تكون عملية ابتلاع حقيقية للشجر والحجر قبل البشر تحت أعين وبصر إبداعنا الاستثماري الرهيب، ألا يحق للمواطن بعد كل ذلك أن يتساءل هل هذا الذي جرى مؤتمر للتثمير أم منتجع للتطبيع ؟؟
كتبت في 30/7/2008

المقهورون في الشمال يقولون: استثمار عن استثمار يفرق

د.يوسف عبدالحق

مع اقتراب الألفية الثالثة عقد مؤتمر بيت لحم عام 2000 نجم عنه بعض الاستثمارات أهمها فندق قصر الراجح المسمى فندق الانتركونتنتال في بيت لحم ومشاريع أخرى توقفت بل إن الفندق نفسه تعثر والسبب سياسة الاحتلال الاسرئيلي المتحالفة مع السياسة الأمريكية، في أواسط 12/2005 عقد مؤتم لندن بين القطاعين الخاص الفلسطيني والخاص الاسرائيلي نتج عنه لجنة توجيه لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني طاب بتعزيز التطبيع الاقتصادي بين الطرفين وبناء وفتح ميناء غزة وطبعا تم فتح الميناء أما التطبيع فحاشا لله لم يتم!!!!!!! في أواخر 11/2007 عقد مؤتمر أنابوليس الذي أقر عقد مؤتمر في باريس أوائل 12/2007 ، عقد المؤتمر واعتمد مبلغ 7.7 مليار دولار، وصل منها 717 مليون دولار فقط، في نهاية أيار 2008 عقد مؤتمر بيت لحم للاستثمار وطرح الحانب الفلسطيني مشاريع كبيرة بقيمة 2 ملير دولار قيل أن المؤتمر أقر استثمارات بقيمة مليار دولار ولم نعرف حقا حتى الآن ما نفذ منها باستثتاء مشروع المدينة السكنية بين رام الله ونابلس والتي تم البدء في الخظوات الأولية لتنفيذها وهي في الأصل مشروع عربي فلسطيني مشترك كان قد اتفق عليه قبل المؤتمر، وطبعا لم يتم التطبيع في هذا المؤتمر رغم حضور28 مستثمر اسرائيلي وإفرايم سنيه نائب وزير الدفاع السابق ورئيس الادارة المدنية الاسرائلية في الضفة الغربية خلال عقد الثمانينات، والآن جاء دور نابلس حيث تناقلت الأخبار من الغرفة التجارية وجمعية رجال الأعمال ومعهم الكبير أو الصغير بلير لا أعرف، نبأ عقد مؤتمر للاستثمار للشمال في نابلس في شهر 11 القادم.

قمت بهذه الجردة المتواضعة لأهم المؤتمرات الاستثمارية الوهمية والتي أنتجت في المجمل دعائم التطبيع من جهة، ومن جهة ثانية خداع العالم بأن العملية السياسية جارية ومن جهة ثالثة تمكين الاقتصاد الاسرائيلي من الاستحواذ بطريقة مباشرة وغير مباشرة على حصة كبيرة من التمويل المتوقع قدومه من خلال عمولات المرور عبر المصارف الاسرائيلية وعن طريق تصدير المنتج الاسرائيلي للمشاريع المعتمدة وبواسطة فنون طرق الفساد التي أبدعنا في ابتداعاها في فلسطين، وليس أدل على ذلك من أن التقديرات أشارت إلى أن كل دولار يدخل لدعم السلطة الفلسطينية يذهب منه حوالي 60 سنت للإقتصاد الاسرائيلي أي ما نسبته نحو 60%، وأخيرا أنتج هذا المنهج الاستثماري مزيدا من إحباط الشعب الفلسطيني المقهور حيث أن شعبنا المقهور بالرغم من كل الشعارات البراقة والأوهام الكبيرة في لعبة الاستثمار التي سمعها ليل نهار‘فقد وجد نفسه ينحدر من قاع إلى قاع دون أي بصيص أمل، إذ كانت المشاريع المقترحة هي من المشاريع الكبيرة التي تخدم في النهاية كل النتائج السابقة الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى استدخال الهزيمة الذاتية إلى نفسه وهي في الحقيقة الطامة الكبرى.

هل تابعت السلطة والمشرفون على مؤتمر الاستثمر في الشمال هذه النتائج، هل راجعوا هذا المسار واستخلصوا العبر وبالتالي سدوا الثغر أم أن الأمر بقي على ما سبق وصدر!!!!!!! ورغم أن المؤشرات المتاحة حتى الآن ليست مشجعة حيث أن المتابعين للمشروع في نابلس على حد علمي لم يشركوا أحدا من الأكاديميين المتخصصين في قسم الاقتصاد في جامعة النجاح بل إنهم لم يشركوا مدراء البنوك الفرعية في نابلس وكذلك لم يشركوا مؤسسات المجتمع المدني ولا المجالس المحلية في الشمال، وطبعا لم يشركوا القوى الساسية في ذلك، كما أنهم لم يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي لمسح المشاريع الصغيرة الموجودة والمطلوبة في الشمال وهي عماد اقتصاد الصمود، اللهم إلا إذا اختاروا من هو في سلتهم،
رغم كل ذلك لا بد من أن أشير إلى نقطتين هامتين لعله يمكن للقائمين على مؤتمر الاستثمار في الشمال أخذهما بعين الاعتبار قبل فوات الأوان وهما :
الأولى إن ألف باء الاستثمار في دراستي للتخطيط والتنمية للدكتوراه قبل أكثر من 30 عاما يستلزم أن يقوم الاطار السياسي بتحديد الأهداف العامة للبرنامج الاستثماري ثم يأتي الخبراء الأكاديميين والمهنيين في مختلف القطاعات ليحددوا في ضوء الأهداف العامة الأهداف القطاعية الفنية ثم تأتي دراسات الجدوى وتحشيد التمويل،
والثانية لا يختلف إثنان في أن المطلوب هو اقتصاد الصمود إن لم أقل اقتصاد البقاء والذي لا يتحقق إلا بالاعتماد على إنتاج أبعد ما يكون عن الاحتلال من جهة وبتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل، وهذا أمر لايمكن أن يتم بنائه إلا بالمشاريع الصغيرة مع التركيز على الزراعة باعتبار أن الأرض والانسان هي جوهر الصراع في فلسطين ولأن المشاريع الصغيرة هي الأقل تأثرا من الاحتلال وهي في نفس الوقت تعمل على توفير بعض العدالة الاجتماعية.

أجل، المقهورين في شعبنا يقولون نريد الاستثمار ولكن استثمارا عن اسثمار يفرق، نريد اشثمارا لصمودنا لا استحمارا لعقولنا !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
كتبت في 13/9/2008

سعدات: روح المسؤولية في زمن اللامسؤولية

د. يوسف عبدالحق

إن سر انتصار نضال الشعوب والأمم الحية يكمن في اعتمادها الأول والأخير على الإنسان المناضل، فهو المنبع الذي لا ينضب لإرادة المقاومة ضد كل أشكال القهر القومي والطبقي، من هنا تأتي الأهمية البالغة التي تتمتع بها قضية الأسرى الفلسطينيين وفي مقدمتهم القائد الوطني والعربي والأممي أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية الذي يدخل إضرابه عن الطعام الآن يومه العاشر في معركة جسورة ضد قمع الجلاد الصهيوني يسانده في ذلك جميع الأسرى الفلسطينيين حيث انضم على الإضراب عددا من الأسرى الفلسطينيين منهم أكرم جبرين، وبسام أبو الرب، ورامز الحاج والأسير يزن الطريفي وغيرهم.

ولا بد ونحن مع سعدات في أسره أن نذكر بعميق الحزن والغضب أن سعدات الذي عجز الاحتلال الاسرائيلي عن اعتقاله طيلة 3 أشهر من المطاردة الساخنة، إعتقله الأمن الفلسطيني بمكيدة رخيصه في 15/1/2002 تلبية للضغوط الإسرائيلية والأمريكية إثر قيام الشعبية بتصفية الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي صاحب نظرية الترانسفير ( الترحيل الحماعي للفلسطينيين) في 17/10/ 2001 ردا على ارتكاب الاحتلال الاسرائيلي لجريمة إغتيال أبو على مصطفي الأمين العام للشعبية في 27/8/2001، وقد تم بعد ذلك نقل سعدات من المقاطعة في رام الله إلى سجن أريحا في 1/3/2002 بموجب اتفاقية مشبوهة لفك الحصار عن عرفات تمت بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي والحكومتين الأمريكية والبريطانية اللتان تعهدتا بحراسته في سجن أريحا التابع للسلطة الفلسطينية بحيث يبقى سعدات في هذا السجن بشكل دائم ، ولكن الاحتلال الإسرائيلي أقدم بعد ذلك وبالتآمر مع الحكومتين الأمريكية والبريطانية مع تواظؤ السلطة الفلسطينية على اقتحام سجن أريحا الفلسطيني واختطاف سعدات منه في 14/3/2006 ، وذلك بالرغم من أن محكمة العدل العليا الفلسطينية قررت في 3/6/2002 إطلاق سراح سعدات ورفاقه، وبالرغم من الاتفاقية المذكورة!!! أليس هذا هو الإرهاب بعينه؟؟؟؟؟

وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال سهل ممتنع :أين مسؤولية كل هؤلاء؟؟ وإذا كان الكيان الصهيوني هو طفل لقيط ولد نتيجة اغتصاب حقوق الشعب العربي الفلسطيني باعتراف بعض المؤرخين اليهود مثل شلومو زانت وإيلان بابي وبالتالي هو قوة خارجة عن القانون الدولي يعربد كيف يشاء، وإذا كانت الحكومتان الأمريكية والبريطانية هما الحماية الحقيقية للعربدة الإسرائيلية بخصوص سعدات وجميع أسرانا البواسل وكل حقوقنا المشروعة، إذا كان كل ذلك كذلك يصبح السؤال أين هي مسؤولية السلطة الفلسطينية في كل ذلك؟؟؟ بل أين هي مسئولية القيادة الفلسطينية بمختلف أطيافها؟؟؟ ثم أين هي المسؤولية العربية والدولية؟؟؟ حقا إنه زمن اللامسئولية على جميع المستويات والصعد.

حين يقرأ المرء ما نشر وينشر عن حياة سعدات: مدرسا بسيطا في معيشته، عميقا في تفكيره، واضحا في موقفه، مندمجا بروحه ووجدانه في قضايا شعبه وأمته وكل المقهورين في الإنسانية جمعاء ، يدرك تماما سر الصمت المريب الرسمي الفلسطيني والعربي والدولي، بل يصبح التآمر عليه منطقا طبيعيا لا بد منه لكل هؤلاء وأولئك حين تسطع حقيقة سعدات القائد الوطني العربي الإنساني في تفانيه في تحمل المسئولية في زمن عز فيه تحمل المسئولية على المستوى الفردي والجماعي، لقد جسد حقا، وفي كل زمان ومكان وحاله مقولة كنفاني " الإنسان قضية" ، ففي الوقت الذي تحدى فيه الاحتلال ببسالة، واجه فيه بصلابة انحرافات سياسات السلطة الفلسطينية، إنه فعلا حامل الراية بشرف في زمن ضاع فيه الشرف إلا من قلة قليلة تنادي بأعلى صوتها باسم كل المقهورين في كل العالم:الحرية لسعدات وكل الأسرى الفلسطينيين وجميع الشعوب المقهورة وتغني مع سعدات بعزم لا يلين:

أنا أحمد العربيّ - فليأت الحصار
جسدي هو الأسوار - فليأت الحصار
وأنا حدود النار - فليأت الحصار
وأنا أحاصركم
أحاصركم
كتبت في 18/6/2009

ما يريده الشعب الفلسطيني من الحوار الوطني

د. يوسف عبدالحق*


من خلال قراءة متمعنة هادئة في المشهد الفلسطيني يتضح أن الشعب الفلسطيني يكاد يكون مجمعا على أن تحقيق هدفه الوطني الحالي المتمثل في ضمان حقه في العودة وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 الخالية من أي إستيطان إسرائيلي، يشكل الحد الأدنى المطلوب من حقوقه العادلة لتحقيق تسوية سياسية حقيقية مع الاحتلال الاسرائيلي. وهذا الهدف هو موضع إجماع لدى كل قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني الأمر الذي يفرض على جميع القيادات الفلسطينية التي بدأت حوارها الوطني قبل عدة أيام ، أن تجعل من هذا الهدف خطا أحمرا محرم تجاوزه تحت أي سبب من الأسباب ومهما كانت الظروف والمبررات.

وقد تأكد للشعب الفلسطيني من واقع مسيرته الوطنية الحديثة طيلة حوالي قرن من الزمان أنه لا يمكنه تحقيق هذا الهدف المذكور باستخدام وسيلة دون أخرى، وإنما يحتاج إلى تشغيل كل الوسائل المتاحة من سياسية وإقتصادية وإجتماعية وجماهيرية ومقاومة في إطار مخطط تنسيقي بضمن تعظيم القوة الفلسطينية القادرة على إجبار الاحتلال الاسرائيلي على التسليم للشعب الفلسطيني بهذا الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية. وبالتالي فإن تعطيل إستخدام أي وسيلة من هذه الوسائل بموجب أي إتفاق أو تفاهم هو إضعاف للحق الفلسطيني وتدعيم للإحتلال الاسرائيلي طالما أن الاحتلال الاسرائيلي لم يسلم بعد بهذا الحق الأمر الذي يفرض على القيادات الفلسطينية أن تجعل من هذا النهج خطا أحمرا محرم تجاوزه تحت أي ذريعة أو تبرير.

كما أن الدروس والعبر من التجارب الانسانية النضالية تقطع يقينا بأن حشد كل قوى الشعب بل كل أفراده، وتصليب إرادته وشحذ عزيمته هو المصدر الحقيقي الذى لا ينضب لقوة المقاومة فيه بشتى أشكالها ووظائفها، وتؤكد هذه التجارب أن تحقيق هذا الأمر يقتضي قيام إطار تحالفي جبهوي لجميع القوى الشعبية المناضلة الملتزمة بالهدف الوطني على أساس التعايش السلمي بين جميع البرامج السياسية و الاجتماعية لهذه القوى المناضلة لتحقيق الهدف الوطني المذكور من خلال التمسك بهذا الهدف مع الاحتكام للديموقراطية لحسم الخلافات السياسية في الوسائل والتكتيكات النضالية لتحقيقه من جهة، ومن جهة أخرى عن طريق الاتفاق على المسائل الجوهرية الاجتماعية المتمثلة في العدالة الاجتماعية وفي حرية العقيدة والراي والتعبير مع تأجيل حسم طبيعة النظام السياسي والاجنماعي لما بعد الاستقلال، إن المواطنة ليست ملكية الإنسان للأرض فحسب وإنما هي قبل ذلك إنتماء الانسان لأرض ومجتمع يوفر له حقوقه في المعيشة العادلة وفي الحرية والكرامة الانسنية، بهذه المنهجية يمكن للقوى الشعبية المناضلة تحقيق وحدة وطنية نضالية صلبة تتعاظم صلابتها وقوتها من خلال تركيم تجربتها في مواجهة الاحتلال. إن هذه المنهجية تشكل الخط الأحمر الثالث للقيادات الفلسطينية الذي يحرم تجاوزه تحت أي ستار أو حجج.

تبفى قاعدة جوهرية رابعة على غاية من الأهمية وهي تشكيل لجنة تحكيم عليا من شخصيات فلسطينية مشهود لها بالحكمة والنزاهة لتبت في أي خلاف قد يطرأ حول فهم وتطبيق هذه القواعد الجوهرية الثلاثة، ورغم الأجواء المكهربة والاستقطاب الشديدد بين فتح وحماس داخل الشعب الفلسطيني، فإن هذا الشعب العطيم الذي حمل مهمة وطنية وقومية وإنسانية بالغة الأهمية في تصديه طيلة قرن من الزمان للعدو الصهيوني الامبريالي، لا يمكن أن يكون عاقرا في إنجاب شخصيات وطنية مناضلة حكيمة ونزيهة، بل إنني أعتقد العكس تماما ، فالشعب الفلسطيني يزخر بمثل هذه الشخصيات المعروفة التي لا داعي لذكرها هنا، والتي تشكل حكما وطنيا عادلا ونزيها وصمام أمان لحماية هذه القواعد الجوهرية في المسيرة النضالية الفلسطينية.


إن توافق القيادات الفلسطينية على هذه القواعد الجوهرية الأربعة هو حجر الزاوية في أي وحدة وطنية مناضلة جدية ودائمة، إذ أنه على أساسس هذه القواعد يصبح من السهولة بمكان علاج وحسم أي مشكلة داخلية أخرى مهما بدت شائكة أو معقدة، باعتبار أن بقية المشاكل هي مشاكل فنية لا غير لا تؤثر على القواعد الجوهرية لا من قريب ولا من بعيد مهما كان إتجاه الغالبية في علاج هذه المشاكل ، فإستنادا إلى هذه القواعد المقدسة الأربعة تصبح إعادة بناء م.ت.ف عملية متاحة سلسة من خلال بناء مرجعية وطنية عليا ل م.ت.ف تقود العمل الوطني مؤقتا لحين إنتخاب المجلس الوطني الجديد وفق إتفاق القاهرة وبرنامج الوفاق الوطني وعلى أساس هذه القواعد المذكورة. كما تصبح مشكلة تشكيل الحكومة عملية ميسورة جدا باعتبارها تمثل حكومة خدماتية لا أكثر ونفس الأمر ينطبق على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، أما مشكلة المهنية الوطنية للقوى الأمنية فإنها هي الأخرى تصبح سهلة الحل حيث ستنحصر مهمتها فقط في الأمن المدني للمواطن مستقلة تماما عن الفوى المقاومة، وبإنجاز كل ذلك تكون المصالحة الوطنية الحقيقية قد تحققت بل وبنت قلعة من الوحدة الوطنية عصية على السقوط مهما تكالبت عليها قوى الغدر والعدوان.


من هنا أقترح على الحوار الوطني الفلسطيني ممثلا بالأمناء العامين للقوى الفلسطينية المناضلة أن يضع هذه القواعد الأربعة علي قمة أولوياته ويركز جهده المكثف لإنجازها بحيث يتفرغ الأمناء العامون لهذه المهمة ويواصلون الليل بالنهار لتحقيقها وأقول بصراحة متناهية أن نجاح الحوار الوطني في هذه المهمة يقع ثقله الأكبر ومسؤوليته الأعظم على قيادتي فتح وحماس بإعتبارهما تمثلان شئنا أم أبينا على الأقل 70% من الشعب الفلسطيني، فهل هما تملكان إرادة صادقة جدية لتحقيق آمال الشعب الفلسطيني في إنجاح هذا الحوار الوطني أم أنهما ستستنسخان تجارب الحوار الوطني عبر 40 عاما وبالتالي تكونان وفيتان لكاريكاتير ناجي العلي الذي سمى الحوار الوطني بالحمار الوطني !! أرجو أن لا يكون الأمر كذلك، لأن ما نواجهه هذه المرة ليس مجرد خلاف هنا وهناك وإنما هو تصفية مرحلية للقضية الفلسطينية ونحن غافلون غارقون في سلطة وهمية لا أكثر.
كتبت في 4/3/2009

قصعة وزارية لا بل قصعات !!!

د. يوسف عبد الحق

وأخيرا وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من الشد والجذب دخل الشعب الفلسطيني المقهور الحلقة الثالثة عشرة من مسلسل القصعة الوزارية الذي بدأ قبل أربعة عشر عاما، ما الجديد في هذه الحلقة؟ ثوابت القصعة لم تتغير فهي تركز إبداعاتها أساسا ومنذ أربعة عشر عاما في تعظيم قدرات الشعب على العيش في الموهوم مبتسما وهو يئن في نار جهنم الاحتلال محترقا. تتزاحم على ذهن المواطن المقهور طلاسم متنوعة منونة ومدغمة، تحكي له حكايات الشاطر حسن ونوادر جحا بل وملحمة على بابا ولكن بدون الأربعين حرامي طبعا، يكاد المقهور يصدق فيندفع بطيب القلب مؤيدا وإذا بشاشة جهنم الفقر الملعون والاحتلال المتوحش بقوافي حواجز الموت المسحور تصرخ في عقله صمتا: أفق وصحح يا مقهور. يحاول أن يفهم ويجرب أن يعمل متأملا أن ينجح وإذا بالطلاسم في لحن جديد تدغدغ مرة أخرى أوهامه فتخلب منه اللب من أعماقه فيعود مرة أخرى ليسبح في سماوات أوهامه.

تقدمت طلاسم القصعة من الجانب الآخر، تحكي له أحلاما وردية في الترشيد والتحرير وتنقله بسحر توقه إلى العدل والحرية على بساط من الريح منتعشا ، يشتد أزر المقهور فيشق القمقم منطلقا، يقدم الروح قبل المال فداء الوطن، يذوق الأمرين تارة من الداخل وأخرى من محارق صهيون منبع المحن، هو شعب مقهور لكنه من أهل الفطن، يمعن الفكر في الذي كان والذي لا زال يجري، يتململ معربا عن سخطه على ما ذاق وما رأى، ينادى الأهل ليعيدوا قراءة كل الرؤى، في الشمال وفي الجنوب وفي الفلسطينيين في كل الورى، يطالب القرنين بالقدس بالعودة: يكفينا هذا الهراء، تنبري الطلاسم من كل قرن تخدره بالقول له: أنها وحدها تملك النصر والحرية والعدل فكيف لا ترى، اصبر وصابر يا مقهور فالخير قادم من أوباما أو من ابن أبي البراء، يكابد الفلسطيني المقهور عل بشائر الخير تسطع في كل السماء.

واليوم والفلسطيني المثلوم يرنو لحكمة من الوطن الذبيح، باحثا عن وطنية الشعب المليح، فإذا به يشتم عن بعد وعن قرب مصيبة، تكالب للبعض على قصعة وزارية ، عشرون وأربعا من أهل الهمة أو من أهل الزلة، أكثر أو مثل عددا وزراء فرنسه، ينظر المقهور مبهورا ومنتظرا، يأمل أن يصله بعضا من القصعة أو حتى فتاتا من أنياب الجمعة، يفرح يمرح وطلاسم الدولار تقترب من أوداجه الحرة، ينشط يتململ استعدادا للفطرة، وفجأة يجد الطلسم قد حل بشخص ليس له في العير ولا النفرة، فيجد هذا الشخص قد غاص مبتهجا بفتات الجمعة، وسقط في الوطن مهزوما و لأهل القصعة ذيلا. تنتفض عروق المقهور مولولة، تهمر تزمر في حنق وفي غضب، وتكاد تندفع نحو الجمعة لتعلن براءتها من كل القصة، فتفاجئه ألحان الطلسم من القصعة، تدغدغ أحلام الورد في عقل الغفله، ترسل له أنغام الحكمة، تهدهد روح الثورة، وتناشد فيه الصبر على المرة، وتغني ويغني مع لحن القمة، نحن اليوم نصنع صمود الشعب المقهور ونقود الركب لليوم الموعود، نرفع فيه راية النصر على باب العمود.

يفيق المقهور الفلسطيني في الغم حزينا، يرى التشرذم في الوطن فضيلة، يجد الأسرى بلا وزير ولا وزيرة، وينظر للربع طويلا وعميقا، تولول جينات العرب في أحشائه نواحه، والكل يرتع في وادي الخذلان، يسمع همهمة من كل مكان، ينصت وإذا بالجمع يدندن، يسلي القلب ثرثارا، يرحل حق القدس واليافا ، إلى القادم عند أوباما، ويمني النفس في الوهم أحلاما ، ويعيش على الأرائك ولهانا، يعلن ليلا ونهارا ويقول الشعب منتصرا ، وفي جوهر القلب كذابا، هو يعلم بقدس الأقداس أن الوطن قد طارا، وعلى مذبح القصعات في رام الله وفي غزة، يموت الشعب تكرارا، يضيع الحق بتعديل من القمة، يبيد حق اللاجئ في العودة، ويمنعه حين الذبح من الزفرة، ويمنعه مع الأيام من الحلم مع الفكرة، هل المقهور في حاجة ، لمن يجهز على الوحدة، بمهزلة نسميها ويا للحمق اسم وزارة، بل نحن يا فرحة، بات لنا وزارة الغزة وأخرى لرام الله, ومع ذلك فنحن يا ربعي لا نملك حق مرور سيارة ، ولا حتى حق تصفير صفارة، نعيش مسحوقين بين القصعتين أسمالا، ولربما تنمو المصيبة قصعات بوادينا، لتنهش كل ما فينا ، من وطن ومن دينا ، ونعيش الدهر في ندم نلاعن كل ما فينا.
وحين يصل الأمر بالمقهور مفترقا، يطل عليه طلسما حذقا ، يعاتبه يجاذبه، ويقسم بالأجيال قاطبة، ويعلن للمقهور محتدما ، بأن الجولة الكبرى، سيأتي يومها حتما ، وأما اليوم فلا داعي ، لأن نترك القصعة، علينا خدمة الشعب ، بلحس من القصعة، فمن يلحس من القصعة ، استغفرت له القصعة. يجيب مقهورنا غضبا ومن يلحس من القصعة يعيش الدهر في القصعة.
كتبت في 26/5/2009

إلى متى هذا الصمت عن ذبح المناضلين في فلسطين

د. يوسف عبدالحق



من بديهيات الإستراتيجية الوطنية في مرحلة التحرر الوطني في تاريخ جميع حركات التحرر العالمية أن حل خلافاتها الداخلية يتم بالمنهج الحواري باعتباره تناقضا ثانويا غير تناحري بعكس صراعها مع الاحتلال الذي يشكل التناقض الرئيسي التناحري فإنه يحل باستخدام كل أشكال المقاومة كما نصت على ذلك مبادئ الأمم المتحدة وقراراتها الخاصة بحق الشعوب المستعمرة في مقاومة الاستعمار.

وفقا لهذا المعيار تكون حماس قد ارتكبت خطا استراتيجيا في استخدامها للحسم العسكري ضد سلطة فتح في غزة بالرغم من الموافقة مع حماس على إدانة كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها ولا تزال سلطة فتح وذلك دون الدخول في التفاصيل

ولكن الأدهى والأمر أن سلطة فتح في الضفة التي تدعي ليل نهار بأنها تمثل الشرعية وتمثل م.ت.ف التي تشكل من حيث الإطار لا الجوهر ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، ارتكبت ذات الخطأ الاستراتيجي في إقدامها على استخدام السلاح في قتل 3 عناصر من حماس في قلقيلية وذلك بالرغم من الاتفاق مع فتح على إدانة أخطاء وخطايا سلطة حماس وذلك دون الدخول في التفاصيل أيضا.

وقد يقول البعض أن استخدام السلاح بين الفلسطينيين كانت له سوابق كثيرة فلم هذا التشنج من حدوثه بين فتح وحماس؟ هنا لا بد من التنويه إلى أنه إذا كان هناك شخصا قد تطاول على والديه صغيرا فذلك لا يعني البتة أن يصبح التطاول على الوالدين مسموحا له أو مبررا حين يكون بالغا، والحركة الفلسطينية بعد مسيرتها الحديثة التي تجاوزت 42 عاما لا يعقل أن يتم التعامل مع جريمتها في استخدام السلاح لحل مشاكلها الداخلية باعتباره خطأ بسيطا مبررا كما حدث حين كانت حركة غير ناضجة.

ويمكن للبعض أن ينبري قائلا : هذه هي سنن كل حركات التحرر العالمية في الحسم العسكري للسلطة، هذا غير صحيح على الإطلاق غلا في الحركات الفاشلة، ذلك أن وحدة الشعب في مقاومة الاستعمار كانت الرافعة الأساسية للنصر، أما الحسم العسكري فنجده قد تم بعد النصر لا قبله، ونذكر جميعا الخميني في ثورته ضد قوات الشاه الاستعمارية حين سئل عن تفاهمه مع حزب تودة الشيوعي الإيراني في المقاومة وكيف سيتعامل معه إذا نجحت حركته، أجاب: لكل حادث حديث، والكل يتذكر قول تشرشل حين سئل عن تحالفه مع الاتحاد السوفييتي النقيض الكامل لنظام للحكم البريطاني في مقاومته للنازية حيث قال: مستعد للنحاف مع الشيطان ضد النازية.

وهنا يمكن أن يدعي البعض ويقول: لكن حكم فتح أو حكم حماس ضد المقاومة باعتبار الأول ملتزم بنهج أوسلو والثاني ملتزم بنهج بناء الحكم الإسلامي، وفي الحالتين كلاهما يعمل ضد المقاومة، وهنا لا بد أن نذكر أن فتح أو حماس يمثل كل منهما حوالي (35- 40 %) وعليه لا يعقل أن نعتبر حوالي 75% أو حتى 40% من الشعب ضد المقاومة، قد تكون القيادة هنا أو هناك تعمل من حيث تدري أو لا تدري ضد المقاومة، ولكن مؤيدي كلا الطرفين يعتقدون أن سياسة قيادتها هي المقاومة الحقيقية، وبالتالي ليس أمامنا إلا طريق العمل السياسي لنصل إلى حسم هذا الموضوع شعبيا بحيث يحسم الشعب بشكل قاطع من هي القيادة التي تعمل ضد المقاومة، وهنا فقط يصبح استخدام السلاح داخليا مشروعا. أما الآن وكل من الطرفين يستحوذ على 35% على الأقل من التأييد الشعبي فإنه من المحرمات استخدام أي وسيلة غير العمل السياسي فقط في حل الخلافات الداخلية.

لكن المشكل الأخطر يكمن ليس في عجز الطرفين عن الاحتكام للعمل السياسي في حل الخلاف الداخلي ، وإنما في الشلل شبه الكامل الذي تعاني منه معظم الحركات الفلسطينية الأخرى في تعاملها السياسي، فمعظمها إن لم يكن كلها يعتقد جهلا أو طمعا بأن العمل السياسي بالتفاهم مع أحد الطرفين يمكنها من لجم تحكم السلاح في الخلافات الداخلية، وحتى إذا كان هذ الاجتهاد صحيحا نظريا في بعض الحالات‘ فقد ثبت فشله الذريع بخصوص الساحة الفلسطينية طيلة 4 عقود من سلطة فتح وأكثر من ثلاث سنوات من حكم حماس، ومع ذلك لا زالت القوى الأخرى متمسكة بسحر اللجم من الداخل رغم أنه بات يشكل سحر اللخم لهذه القوى من الداخل وليس سحر اللجم للطرفين.

كيف لا ونحن نرى قتل المئات من مناضلي شعبنا بدم بارد سواء في غزة أو في الضفة وآخره ما تم في قلقيلية الصامدة، ومع ذلك لا نجد موقفا سياسيا عمليا واحدا يجسد الموقف النظري لهذه القوى خارج الطرفين. يقول البعض وماذا تستطيع هذه القوى أن تعمل أمام هذين الغولين، يقول المنطق الثوري أو حتى المنطق العقلاني أن بيدها الكثير لتعمله بعد هذه المعاناة المريرة لشعبنا طيلة أكثر من 3 سنوات، يمكن مثلا أن يقدم وزيرا في حكومة فتح استقالته احتجاجا على ما حدث في قلقيلية خاصة في ضوء ما قاله سلام فياض رئيس الحكومة " أنا آسف لما حدث ولكن لا نعتذر" أي أن هذا نهج لحكومته. كما يمكن لعضو في اللجنة التنفيذية ل م. ت. ف أن يستقيل باعتباره مسئولا عن سياسة حكومة فتح, كذلك يمكن للمحاورين أن يرفضوا دخول الحوار الوطني مع وجود قيادات من الطرفين أعطت الأوامر باستخدام السلاح، وأيضا يمكن وقف الاجتماعات مع الطرفين إلا بوجود محكم عربي مشهود له بالوطنية والنزاهة، يمكن رفض الاشتراك مع أي طرف في اللقاءات العربية والدولية، ويمكن تنظيم اعتصامين متزامنين في غزة ورام الله مستمران لحين منع كل منهما استخدام السلاح والاعتقال السياسي وقيام كل منهم بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، يمكن تشكيل وفد من خارج الطرفين يطوف الدول العربية لاتخاذ قرارات عربية مدعمة لهذا التوجه، باختصار الهدف هو ترك الطرفين كل لوحده في العمل السياسي حتى يفيق إلى رشده، ماذا تنتظر القوى الأخرىّّ!!!!! هل تنتظر حتى ينطبق علينا قول الشاعر المغربي المناضل (علاء كعيد حسب) بخصوص الصمت المريب في المغرب عن التطبيع مع الكيان الصهيوني ، هل ننتظر
" حتى تقول وكاللات الأنباء
جاء المساء،
ولا رجال يثبتون فحولتهم
لنساء القرية
بعد العشاء"
كتبت 4/6/2009

الهرطقة الفلسطينية في المساعدات الدولية

د. يوسف عبدالحق

تؤكد الدراسات التنموية على أن مساعدات الدول الرأسمالية للدول النامية طيلة النصف الثاني من القرن الماضي كانت نتائجها هامشية حيث أن التطور في الدول النامية الأقل استلاما للمساعدات كان أفضل وأعمق منه في الدول الأكثر استلاما للمساعدات. يعود ذلك إلى عدة عوامل أهمها أولا: توجيه الدول الرأسمالية للمساعدات لأغراض غير تنموية: سياسية، استهلاكية وأمنية، وثانيا فساد الحكم في الدول النامية المتلقية للمساعدات والذي عملت سياسة الدول المانحة على تجاهله بل وتعميقه، والعامل الثالث سيكولوجي سلوكي اجتماعي يتمثل في أن من تتدفق عليه المساعدات بسهوله يندفع في إنفاقها على الاستهلاك الباذخ للحكم فقد قيل في المثل الشعبي العربي " مال تأتي به الرياح تأخذه الزوابع"

بلغ معدل المساعدات في فلسطين خلال الفترة 1994- 2001 حوالي 486 مليون دولارا سنويا أي أكثر من 11% من متوسط الناتج المحلى الإجمالي الفلسطيني، وارتفعت قيمتها عام 2002 إلى حوالي 600 مليون دولار، تقدر حاجة السلطة من المساعدات هذا العام بحوالي 1400 مليون دولار وصل منها حتى حزيران الماضي حوالي 350 مليون دولار ويتوقع ان تستلم السلطة خلال تموز الحالي حوالي 300 مليون دولار. من حيث الرقم المجرد تعتبر هذه المساعدات كبيرة جدا ولكنها من حيث التأثير التنموي كانت جد هامشية وفق التحليل الموضوعي.
- بداية حدد المانحون أن الهدف من المساعدات دعم عملية تسوية أوسلو المبددة للحقوق الفلسطينية، فقد كانت عبارة عن رشوة جماعية للفلسطينيين تمكن الاحتلال الإسرائيلي تحت ستارها أن يقزم الحقوق الفلسطينية إلى مجرد علم ونشيد وأبهة حكم مظهرية فارغة.
- أولويات هذه المساعدات كما حددتها الدول المانحة كانت بعيدة إن لم نقل متناقضة مع أولويات الاقتصاد الفلسطيني، فالقطاع الزراعي هو الأولى فلسطينيا ومع ذلك كانت حصته أقل من 1% فقط، بل إن حصة قطاعات الإنتاج المباشر جميعها لم تتجاوز 10% فقط، في حين حصل النشاط الأمني لحماية الاحتلال الإسرائيلي على حوالي 40% وفي بعض السنوات أكثر من 50%
- استرد المانحون حوالي ربع المساعدات على شكل مساعدات فنية هي في معظمها صناعة كلامية للترفيه وسياحة المؤتمرات
- يلاحظ أن الاقتصاد الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من هذه المساعدات من خلال عمولات التحويل التي يحصلها النظام المصرفي الإسرائيلي بحكم أنها مشروطة بالمرور عبره، وكذلك من خلال أن نسبة كبيرة منها تصرف على سلع وخدمات إسرائيلية حيث تشكل مستوردات الاقتصاد الفلسطيني من الاقتصاد الإسرائيلي في المتوسط حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي، وتشير بعض التقديرات أن حوالي ثلث هذه المساعدات تذهب أرباحا للاقتصاد الإسرائيلي . هذا بالإضافة إلى التدمير الشامل لكل شيء في الأراضي الفلسطينية المحتلة بدءا من الاجتياح الإسرائيلي للضفة عام 2002 وليس انتهاء بالمحرقة الصهيونية لغزة نهاية عام 2008 وهو تدمير قدرت تكاليفه في كلا الحالتين بضعف المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية.
- استخدمت المساعدات لخلق تيار من المنتفعين التابعين في قطاع المؤسسات الأهلية الفلسطينية التي حصلت على أكثر من 60 مليون دولار سنويا منها حوالي 60% أحور ونفقات إدارية.
- اعتمد المانحون القطاع الخاص كقاعدة أساسية لتنمية الرفاه ، وتشير الأرقام التي نشرت عن شهر العسل في المساعدات للسنوات 97=99 إلى أن تكلفة فرصة العمل بلغت في هذا القطاع خلال الفترة المذكورة حوالي 100 ألف دولار وهي خمسة أضعاف التكلفة المقدرة من البنك الدولي، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على تبديد المساعدات من خلال التلاعب وحرمنة العمولات من جهة ومن جهة أخرى من خلال استخدامها في مشاريع كبيرة ذات كثافة رأسمال عالية.
- كان الفساد ينمو ويترعرع والدول المانحة والإسرائيليون ليس فقط فرحين بذلك بل ومشجعين وداعمين له بهدف خلق فئة في الحكم الفلسطيني ترتبط مصالحها بل ووجودها بسياساتهم الهادفة لتبديد الحقوق الفلسطينية، والمحزن أنهم نجحوا في ذلك على حد كبير.
- وحين كان يستيقظ الموقف الفلسطيني أحيانا دفاعا عن حقوقه كان المانحون يعاقبونه بوقف هذه المساعدات كما حدث حين قرر الكونغرس الأمريكي وقف المساعدات للسلطة الفلسطينية أيام عرفات.
- كما أنه حين كانت الضغوط الوطنية الفلسطينية تفلح أحيانا في مطالبها بعدالة التوزيع كان المانحون يهددون متوعدين ومطالبين بضرورة حرمان كل جهة وطنية من هذه المنح بحجة أكذوبة الإرهاب وكانوا غالبا ما ينجحون.
- وبصرف النظر عن أخطاء حماس التي لا يمكن نكرانها في عملها السياسي بخصوص حسمها العسكري في غزة، فإن المانحين فرضوا حصارا ماليا مشينا لمجرد فوز حماس في الانتخابات مما يؤكد أن هذه المساعدات ليست سوى ثمن يدفع للفلسطينيين مقابل موقفهم السياسي بقبول التسوية وفق الرؤية الصهيونية الامبريالية.
- ولكن الأنكى من كل ذلك أن السياسة الاقتصادية المالية الفلسطينية تساوقت مع نهج المانحين المذكور، فق طاب لها منذ البداية الاتكال على المساعدات والمنح والقروض لتمويل أوهام خرافية للتنمية المرفهة تحت الاحتلال وذلك بديلا للتنمية من أجل الصمود، ولذلك نجد أن العجز في الموازنة الجارية الفلسطينية بلغ في المتوسط 50 مليون دولار خلال الفترة 94- 99 وهو يرتفع الآن لعام 2009 إلى حوالي 1.15 مليار دولار هذا إضافة إلى الموازنة الاستثمارية التي تمول بالكامل من المانحين وتبلغ حوالي نصف مليار دولار ناهيك عن الديون التي تبلغ حاليا أكثر من مليار دولار.
باختصار يمكن بسهولة الاستنتاج أن صانعي القرار في السلطة الفلسطينية في رام الله يسيرون في طريق رهن الشعب والوطن إلى الأبد لحلف الاحتلال والمانحين علموا بذلك أم لم يعلموا، ذلك أن أي تفكير في تنمية الرفاه تحت الاحتلال تعني ببساطة تكريس الاحتلال، ومن يريد حقوقه في الاستقلال وضمان حق العودة عليه أن يدير ماليته واقتصاده بموارده الذاتية مدخرا حقوقه المالية التي نهبها التحالف الصهيوني الامبريالي طيلة أكثر من 61 عاما إلى حين تحقيق الاستقلال وضمان حق العودة، إذ لا يعقل بداهة أن يقدم عدوك الدعم المالي لك لتتمكن من الإفلات منه، هذا هو الهرطقة بعينها.
كتبت في 14/7/2009

هزلت يا جبريل!!!!!

د, يوسف عبدالحق


تحدث جبريل الرجوب قبل فترة في إحدى الفضائيات عن الوضع الفلسطيني متسائلا : اين دور التنظيمات الفلسطينية الصغيرة الأخرى غير حماس وفتح في مواجهة حالة الانقسام الفلسطيني مطلقا عليها لقب " حمير العرس"، والمقصود بالطبع التنظيمات اليسارية, أي انها وفقا للمثل الشعبي تحضر العرس فقط لنقل الماء أو الحطب, حين يتمعن المرء في مثل هذه التصريحات وهي كثر, التي تصدر عن القيادت الفلسطينية المتسلطة وهي أيضا كثر, يدرك تماما سر الانحطاط السياسي الفلسطيني الذي نعيشه هذه الأيام.
بهذه العقلية المتخلفة شكل جبريل وقاد أول وأخطر جهاز أمني فلسطيني وهو الأمن الوقائي والذي من المفترض أن يعمل على تحصين الشعب الفلسطيني من اي مخاطر كامنة تهدد مصالحه الوطنية العليا بتطويق هذه المخاطر قيل ظهورها واستيعابها تعزيزا لتلاحم الشعب مع أهدافه العليا في الاستقلال والعودة انتماء وعملا, وذلك من خلال منهج تربوي نقدي وقائي يسد ثغرات الحكم ويحبط محاولات العدو الصهيني الامبريالي في زرع الفتن والتشككيك. بدلا من ذلك يكشف جبريل في هذا التصريح عن نهج احتقار وقمع كل التنظيمات والاجتهادات أيا كان مصدرها الخارجة عن نهج التسليم بسيادة الاحتلال الذي يمثله جبريل. جبريل هذا هو هكذا، لم يعد يعرف في حياته الأمنية والسياسية بل والاجتماعية منذ زمن طويل وتحديد منذ نصب عقيدا قائدا للأمن الوقائي في الضفة الفلسطينية سوى لغة الشتائم فوق الحزام وتحنه.
تناسي جبريل في تصريحه الخلاق تاريخ النضال الفلسطيني لكل هذه التنظيمات، واقول بصدق كل من يعرف جبريل جيدا يفهم تمنياته في أن يجد هذا التاريخ ما بين طرفة عينه وانتباهتها قد أصبح اثرا بعد عين لأن في هذا التاريخ يكمن مقتله, من الطبيعي أن يحاول جبريل أن يطاول بجعجعة الحروف عنده هامات كل النضال الفلسطيني أيا كانت مشاربها، ولكن هيهات هيهات يا جبريل التنسيق الأمني.
يفهم الجميع عماك السياسي عن الدور الذي تقوم به ما أطلقت عليهم حمير العرس، ورغم أن احدا لا يدعي أن دور هذه التنظيمات كان حاسما أو حتى على مستوى التحدي المطلوب وهو أمر يخجل بالنسبة لكل وطني غيور، إلا أنه بالنسبة لأمثالك يعتبر شمسا تحرق زرعك وتنير الدرب لفرسان النضال الفلسطيني الثابضين على الجمر، تذكر يا جبريل من فجر في وجهك ووجه امثالك مؤامرة المحاصصة في وجه شياطينك اللاهثين وراء الدولار في الكعبة، تذكر يا محترم من جسد دمه حاجزا جماهيريا بين إخوة السلاح في غزة، تذكر وأنت ترفل في رفاهيتك الباذخة المغمسة بالدم اتلفلسطيني كل الجهود التي بذلتها هذه التنظيمات الصغيرة في حجمها الكبيرة في فكرها وإخلاصها لانجاز وثيقة الوفاق الوطني، كيف تنسى يا هذا الجهود المضنية التي بذلتها هذه التنظيمات لتوفير الحماية ما أمكن للمناضلين من فتح وحماس في غزة والضفة في الوقت الذي كنت فيه نعامة تتفرج على الاحتلال يذبح المناضلين الذين استأسدت عليهم وهم في مقرك وبين يدي دورياتك.

القائمة تطول وتطول أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك بدءا من الأيام الأولي للانجراف الفلسطيني مرورا بزوايا الانهيار الفلسطيني في المعتقلات الصهيونية وليس انتهاء ببطولات جهازك مع الأجهزة الأمنية الأخرى في اعتقال سعدات ورفاقه في رام الله وعاهد ورفاقه في نابلس، هل تذكر يا محترم تاريخ التآمر على اليسار الفلسطيني الذي ارتكبته قيادات السمسرة الفلسطينية التى تربيت على موائدها وبت اليوم أحد أعلامها, والله زمن يا جبريل هذا الذي جعلك تتجرأ على النقاء وأنت غارق في البلاء ولكن ليس الحق عليك وإنما الحق على اليسار الذي سمح بعضه لنفسه أن يتم التعامل معه بمثل هذا السخف من الحروف.
وهنا يجد المرء نفسه يتفق معك في لوم اليسار على تصرفات بعضه وقبوله بممالأة القيادات المتسلطة في الضفة وغزة, ولكن مهلك لست أنت من يحق له توجيه هذا اللوم، فأنت وأمثالك ومن رعاكم ارتكبتم التي واللتيا لجعل اليسار هكذا، وبالتالي فأنتم آخر من يحق لكم الحديث في هذا الترهل با عتباركم كنتم ولا زلتم من صناعه، ليس هناك أبلغ من القول لك في هذا المجال غير : هزلت يا جبريل.
أجل اليسار مريض بكم فلا يمكن أن تكونوا أطباءه وإلا تعمقت أزمته وزادت أمراضه، من يحق لوم اليسار هو الشعب الفلسطيني المناضل، وعليه مطلوب من اليسار الاستماع إلى نبض الجماهير لتصحيح مساره، عليه أن ينفض عنه كدرات التكلس التي تراكمت على مفاصله طيلة المسيرة الفلسطينية، عليه مراجعة نفسه
ليصنع قدوة تحتذى في المواجهة الديموقراطية للمدرستين النفعية في الصفة واليثربية في غزة دون تردد أو وجل من أجل فلسطين لا من أجل الرد عليك، فانت مردود عليك سلفا من أرض الواقع العنيد.
نابلس 1/8/2009